ابن المقفع
311
آثار ابن المقفع
والجافي بالفقه والعي بالبيان لم تزد على أن تضيع عقلك وتؤذي جليسك بحملك عليه ثقل ما لا يعرف ، وغمّك إياه بمثل ما يغتم به الرجل الفصيح من مخاطبة الأعجمي الذي لا يفقه ، واعلم أنه ليس من علم تذكره عند غير أهله الا عادوه ونصبوا له ونقضوه عليك وحرصوا على أن يجعلوه جهلا ، حتى أن كثيرا من اللهو واللعب الذي هو أخف الأشياء على الناس ليحضره من لا يعرفه فيثقل عليه ويغتم به . ليعلم صاحبك انك حدب على صاحبه وإياك ان عاشرك امرؤ ورافقك ان لا يرى منك بأحد من أصحابه واخدانه رأفة ، فان ذلك يأخذ من القلوب مأخذا وان لطفك بصاحب صاحبك أحسن عنده موقعا من لطفك به نفسه . اتق الفرح عند المحزون واعلم أنه يحقد على المنطلق ويشكر للمكتئب . اعلم انك ستسمع من جلسائك الرأي والحديث تنكره وتستجفيه من محدث عن نفسه أو عن غيره فلا يكونن منك التكذيب ولا التسخيف لشيء مما يأتي به جليسك ، ولا يجرئنك على ذلك ان تقول : « انما حدث عن غيره » فان كل مردود عليه سيمتعض « 1 » من الرد ، وان كان في القوم من تكره ان يستقر في قلبه ذلك القول لخطأ تخاف ان يعقد عليه أو مضرة تخشاها على أحد ، فإنك قادر على أن تنقض ذلك في سر فيكون أيسر للنقض وابعد للبغضة . واعلم أن البغضة خوف والمودة امن ، فاستكثر من المودة صامتا فان الصمت يدعوها إليك ، وناطقا بالحسنى فان المنطق الحسن يزيد في ود الصديق ويسل سخيمة « 2 » الوغر .
--> ( 1 ) امتعض من الشيء غضب منه وشق عليه . ( 2 ) السخيمة : الضغن والحقد والوغر شدة الغيظ .